كتب محمد فاضل، أستاذ القانون بجامعة تورنتو والباحث في منظمة داون، أن الأداء التاريخي لمنتخب مصر لكرة القدم في كأس العالم 2026 لا يقتصر على كونه إنجازًا رياضيًا، بل يقدم نموذجًا سياسيًا واجتماعيًا يوضح الفارق بين الديمقراطية والأنظمة السلطوية، معتبرًا أن نجاح الفريق يعكس قيمة العمل الجماعي واحترام قدرات الأفراد، وهي المبادئ التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية. وذكر الكاتب، في مقال نشرته منظمة داون، أن هذا الإنجاز يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول أسلوب إدارة الدولة المصرية وإمكاناتها البشرية.

 

وأوضح الكاتب أن المنتخب المصري حقق إنجازًا غير مسبوق بعدما أصبح أول منتخب مصري يبلغ الأدوار الإقصائية في كأس العالم وأول من يحقق الفوز في مباراة إقصائية، مشيرًا إلى أن الفريق كان قريبًا من صناعة واحدة من أكبر مفاجآت البطولة لولا سوء الحظ وبعض القرارات التحكيمية المثيرة للجدل. وأضاف أن المنتخب ترك انطباعًا إيجابيًا داخل مصر وفي العالمين العربي والدولي، بفضل الروح القتالية والإبداع والإصرار الذي أظهره اللاعبون طوال المنافسات.

 

حسام حسن والربط بين الرياضة والسياسة

 

 

رأى فاضل أن الإشادة العالمية لم تقتصر على الأداء الفني، بل امتدت إلى المدير الفني حسام حسن، الذي حرص خلال البطولة على تسليط الضوء على القضية الفلسطينية في تصريحاته الإعلامية، مؤكدًا أن ذلك أعاد التذكير باستحالة الفصل بين الرياضة والسياسة، وأن الشعبية التي اكتسبها المنتخب استُخدمت لتسليط الضوء على قضايا إنسانية وسياسية تتجاوز حدود الملاعب.

 

واعتبر الكاتب أن المنتخب المصري نجح في تجاوز التوقعات رغم أن عددًا محدودًا فقط من لاعبيه، وعلى رأسهم محمد صلاح وعمر مرموش، يمتلك خبرة اللعب في كبرى الدوريات الأوروبية، بينما استطاع بقية اللاعبين إثبات قدرتهم على منافسة أقوى المنتخبات بفضل الانسجام والعمل الجماعي.

 

الديمقراطية تنجح كما تنجح الفرق الرياضية

 

 

شبّه الكاتب الفريق الرياضي الناجح بالدولة الديمقراطية، موضحًا أن كليهما يعتمد على احترام قدرات الأفراد وتوظيفها لخدمة المصلحة العامة. وأشار إلى أن المدرب الناجح لا يفرض تعليمات تفصيلية على كل لاعب، بل يمنحه الثقة لاتخاذ القرار المناسب داخل إطار خطة عامة، وهو ما يشبه الدولة الديمقراطية التي تضع السياسات العامة وتترك للمواطنين مساحة استخدام مهاراتهم وإبداعهم بحرية.

 

وأضاف أن المواطن في النظام الديمقراطي يلتزم بالقوانين لأنه يشارك في صنعها، ما يعزز الدافع الداخلي للمساهمة في تحقيق أهداف المجتمع، بينما تقوم الديمقراطية على سيادة القانون واحترام الحقوق الفردية، وهو ما يسمح بتطوير المواهب وتسخيرها للصالح العام.

 

السلطوية تُضعف الدول رغم امتلاكها الإمكانات

 

 

في المقابل، يرى الكاتب أن الأنظمة السلطوية تشبه الفرق الرياضية المليئة بالنجوم الذين يسعى كل منهم إلى تحقيق المجد الشخصي على حساب الفريق، فتفشل في تحقيق النتائج رغم امتلاكها عناصر مميزة. وأوضح أن هذه الأنظمة تنسب كل النجاحات إلى القائد، وتتجاهل قدرات المواطنين ومبادراتهم، ما يؤدي إلى إهدار الطاقات وزيادة احتمالات وقوع أخطاء استراتيجية.

 

وأكد أن تعقيدات الدولة الحديثة تتجاوز قدرة أي قائد منفرد على الإحاطة بكل التحديات، ولذلك فإن النجاح يتطلب الثقة في المواطنين وتمكينهم من المشاركة في صنع الحلول، بدلًا من إخضاع الجميع لرؤية واحدة.

 

واختتم فاضل مقاله بدعوة المصريين إلى استثمار حالة الفخر التي صنعها المنتخب الوطني للتفكير في كيفية إدارة الدولة، متسائلًا عما إذا كانت السياسات الحالية تحترم قدرات المصريين وتمنحهم دورًا حقيقيًا في تقرير شؤونهم، أم أنها تحد من إمكاناتهم. وخلص إلى أن مصر، بما تمتلكه من أكثر من مئة مليون مواطن، قادرة على تحقيق إنجازات كبيرة إذا أتاحت لمواطنيها الحرية والثقة نفسها التي منحها حسام حسن للاعبي المنتخب خلال مشوارهم التاريخي في كأس العالم.

 

مفارقة بين نجاح المنتخب وواقع الدولة المصرية

 

 

من المفارقة أن الإنجاز الذي حققه المنتخب المصري، كما يعرضه المقال، جاء بوصفه نموذجًا للعمل الجماعي والثقة في قدرات الأفراد، بينما يواجه المصريون واقعًا مختلفًا تتهم فيه منظمات حقوقية ونشطاء السلطات بتقييد المجال العام، وتوسيع القيود على حرية التعبير والعمل السياسي، مع استمرار اعتقال معارضين وصحفيين، وهو ما يجعل المقارنة بين روح الفريق داخل الملعب وطبيعة إدارة الشأن العام خارج الملعب محل نقاش واسع في الأوساط السياسية والحقوقية.

 

وفي الوقت نفسه، تمر مصر بأوضاع اقتصادية صعبة تتجلى في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية، واتساع أعباء الدين العام، إلى جانب تنامي دور المؤسسات العسكرية في قطاعات اقتصادية متعددة، تشمل الصناعة والبنية التحتية والخدمات والمواد الغذائية، وهو ما يثير جدلًا بين اقتصاديين حول تأثير هذا التوسع على المنافسة ودور القطاع الخاص، في ظل تحديات معيشية يواجهها المواطنون يوميًا.

 

https://dawnmena.org/what-egypts-national-football-team-teaches-us-about-democracy-and-authoritarianism/